محمد متولي الشعراوي
1966
تفسير الشعراوي
ولنر اللفتة الجميلة في الاستجابة : « فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ » لقد كانوا يذكرون اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض . ويخشون خزى الدخول إلى النار . ودعوا اللّه بغفران الذنوب وتكفير السيئات . ودعوا اللّه أن يأتيهم ويعطيهم ما وعدهم به على ألسنة الرسل . لم يقل الحق سبحانه : استجبت لكم ، لكنه جعل الاستجابة هي قبول العمل فقال : « أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى » فليست الحكاية كلاما يقال ، إنما يريد اللّه أن تدخل هذه المسائل في حيز التطبيق والنزوع العملي ؛ فالمسألة ليست بالتمنى فقط ، فقد وضع سبحانه الشرط الواضح وهو العمل ، فمن يريد استجابة الحق فلا بد له من العمل . إن التفكر في بديع صنع اللّه لا يغنى عن العمل ؛ لأن الحق سبحانه يريد التفكر فيه وأنت تعمل في أسبابه . فأسباب الحق لا تشغلك عنه . فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ ( 195 ) ( سورة آل عمران ) فالذين هاجروا من بلادهم ومن أهلهم ومن أوطانهم ومن أحبابهم ، دون إكراه فهجرتهم هذه هي نزع وجودي ، وانتقال من مكان إلى مكان جديد وكان ذلك في سبيل اللّه . أي ، فالذين هاجروا وخرجوا بجزء من إرادتهم ، وكذلك الذين أخرجوا من ديارهم ، وقاتلوا في سبيل اللّه وتحملوا الايذاء وقتلوا - هؤلاء - ينالون التكفير عن السيئات ويدخلون الجنة . لقد جاء الحق هنا بالعملية التي تتضح فيها الأسوة الإيمانية ؛ لأن الإنسان ينشغل بماله وأهله ووطنه وباستبقاء الحياة ، فإذا ما ضحى الإنسان بهذا كله في سبيل الثبات